ابراهيم بن محمد البيهقي
191
المحاسن والمساوئ
بابا أنظر منه إلى المسجد وعجل الفراغ منه . قال : ففتحت الباب وعلقت عليه بابا وجصصته وفرغت منه قبل وقت الصلاة ، فلما نودي بالصلاة جاء فنظر إليه فأعجبه عملي وقال لي : أحسنت بارك اللّه عليك ! وأمر لي بدرهمين . قال : وقال المنصور للمسيب بن زهير : أحضرني بناء حاذقا الساعة . فأحضره ، فأدخله إلى بعض مجالسه وقال : ابن لي بإزائه طاقا يكون شبيها بالبيت . فلم يزل يؤتى بالجص والآجر حتى بناه وجوده ، ونظر إليه واستحسنه فقال للمسيب : اعطه أجره ، فأعطاني خمسة دراهم فاستكثرها وقال : لا أرضى بذلك ، فلم يزل حتى نقصه درهما ، ففرح بذلك وابتهج كأنه أصاب مالا . وحكي عن المنصور أنه لدغ فدعا مولى يقال له أسلم رقاء فأمره أن يرقيه فرقاه فبرئ ، فأمر له برغيف ، فأخذ الرغيف فثقبه وصيره في عنقه وجعل يقول : رقيت مولاي فبرئ فأمر لي برغيف ! فبلغ المنصور ذلك فقال : لم آمرك أن تشنع علي ! قال : لم أشنع إنما أخبرت بما أمرت . فأمر أن يصفع ثلاثة أيام في كل يوم ثلاثة صفعات . وعن الأصمعي قال : دخل أبو بكر الهجري ذات يوم على المنصور فقال : يا أمير المؤمنين أتنقض علي فمي وأنتم أهل بيت بركة ؟ فلو أذنت لي لقبلت رأسك لعل اللّه يشد فمي . فقال المنصور : اختر ذلك أو الجائزة . فقال : يا أمير المؤمنين أهون علي من ذهاب درهم الجائزة أن لا يبقى في فمي حاكة . ومنه مكاتبات : كتب أرسطاطاليس إلى رجل في رجل يصله بشيء فلم يفعل فكتب إليه : إن كنت أردت فلم تقدر فمعذور ، وإن كنت قدرت فلم ترد فسيأتيك يوم تريد فيه فلا تقدر . قيل : وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل صديق له كثير المال يستسلفه ، فكتب إليه : العيال كثير والدخل قليل والمال مكذوب . فكتب إليه : إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا ، وإن كنت صادقا فجعلك اللّه معذورا . قال : وكتب بعضهم بصف رجلا : أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان فكأنك هممت أو حدثت نفسك بالقدوم عليه فلا تفعل ، امتع اللّه بك ، فإن حسن الظن به لا يقع في الوهم إلا بخذلان اللّه ، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على اللّه ، وإن الرجاء لما في يده لا ينبغي إلا بعد اليأس من رحمة اللّه ، إنه يرى الأقتار الذي نهى اللّه عنه هو التبذير الذي يعاقب عز وجل عليه ، والاقتصاد الذي أمر اللّه عز وجل به هو الإسراف الذي يعذب اللّه عز وجل عليه ، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمن والبصل بالسلوى إلا لفضل